عبد الوهاب الشعراني

4

الجوهر المصون والسر المرقوم

والخلوة من هنا أصبحت تطلق على الصوفية فقط كلفظ أما غير الصوفية فتسمى له عزلة . وقد تكلم العلماء عموما وعلماء الصوفية على وجه الخصوص في معنى العزلة ونتائجها كثيرا وها هي أقوال بعضهم . يقول القشيري في الرسالة القشيرية : الخلوة صفة أهل الصفوة والعزلة من أمارات الوصلة ولا بد للمريد من ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه ثم في نهايته من الخلوة . . والخلوة عند الصوفية لها أكثر من تعريف ولكن كل التعريفات تصب في معنى واحد ألا وهو اعتزال الناس وترك الاختلاط بهم والانفراد بنفسه للتقرب إلى اللّه تعالى قال أبو عثمان المغربي الخلوة أن يكون الإنسان خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر اللّه وقال مكحول : إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة وقال ابن المبارك قال لي بعضهم في تفسير العزلة هو أن تكون مع القوم فإن خاضوا في ذكر اللّه . فخض معهم وإن خاضوا في غير ذلك فامسك . وقال ابن سيرين العزلة عبادة وقال الشبلي علامة الإفلاس الاستئناس بالناس وقال الجنيد من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس وقال أبو سليمان الخطابي لو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء والتصنع للناس وما يدفع إليه الإنسان إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم وخداع الموارية في رضاهم لكان في ذلك ما يرغب في العزلة ويحرك إليها . وعن خلف بن تميم قال : جئت أطلب إبراهيم بن أدهم في مطير فاطلعت فلم أره فأعدت النظر فإذا هو قاعد تحت السرير فلما نظر إلى قال : ارض باللّه صاحبا * وذر الناس جانبا قلّب الناس كي * ف شئت تجدهم عقارب ولكن بالطبع الاعتزال لا يكون دائما إلا للضرورة وهي الفتن الكبيرة وإلا فالاعتزال لفترة لتنقية القلب وتصفية الفكر للمعاونة على العبادة والمجاهدة .